فجأةً، طار منزلنا إلى أعالي السماء ثم هبط إلى الأرض بدون سابق إنذار. تتساقط على كافة جنبات المنزل بعض الحجارة والحطام من آثار الشقة التي قُصفت في وقت سابق من الحرب. ولا تكاد تفصل منزلي عن الحي الذي قُصف ومُسح عن الخارطة مسافة 150 مترًا. شعرنا أن سحابة سوداء غطت المكان، وملأ القلبَ إحساسٌ جديدٌ ليس كإحساساتنا السابقة كلما كنا نسمع القصف أو يهتز البيت، بل تملّكنا شعورٌ بالقرف ممزوجٌ بالغضب والملل واللامبالاة من عودة الحرب. يخبرك كل شيء في غزة، وخلافًا لما هو معلن في وسائل الإعلام، أن الحرب لم تنتهِ؛ فلا يزال الجوع ينهش أمعاء الصغار والكبار، ولا تزال تغيب كل مقومات الحياة، ويعود القصف كما لو كنا في بداية الحرب.
لم يعد لدينا طاقة ولا صبر لكل هذا القرف واللعب بمشاعرنا من معظم دول العالم، وخاصة أمريكا وإسرائيل وحلفائهما. وأشعر أن كل المؤتمرات والخطط حول إعمار غزة، وما يصرحون به حول مستقبل غزة الباهر، لا تتعدى كونها مجرد إبر مسكنة حتى ينفذوا المخططات الكبرى والاستراتيجية التي ينوون تنفيذها ولو بعد حين؛ فلا يخسر أحد، ولا يتقلب أحد على نيران جمر الفقر والخوف والتشرد سوى أهل غزة.
وفي أحيان كثيرة أيقنت أن الاحتلال لا يتعامل معنا كبشر ولا حتى كحيوانات؛ إذ يتوفر للحيوان خارج غزة المأوى والمأكل والمشرب والدواء والأمان، بينما ينعدم كل ما سبق لنا في غزة. في أحد الأيام زرتُ صديقةً لي في النمسا وكانت تربي كلبًا، فلاحظت اهتمامها الشديد بهذا الكلب. وذهبتُ معها إلى المتجر الخاص ببيع طعام الكلاب واشترت أشياء باهظة الثمن له، وتكرر هذا الأمر. وفي ذات مرة سألتها: “كم يكلف مصروف هذا الكلب في الشهر؟” فقالت لي: “1000 يورو.” فصمتُّ. فنظرتْ إليّ وقالت: “لماذا صمتَّ؟” فقلت لها: “لا شيء.” ولم أرغب في أن أخبرها أنني أعتقد أنه من النادر جدًا أن تجد في غزة شخصًا يكلف مصروفه الشخصي 1000 يورو. وأدركَتْ معنى صمتي ونظراتي وما يجول بخاطري فأكملت: “أتعلم يا علي أنه كان لدي ثلاثة كلاب وكانت تكلفني ثلاثة أضعاف هذا المبلغ، ولكنني أهديت اثنين منها لبناتي.” حدث هذا سنة 2005، وكان هذا المبلغ يومها في غزة يساوي راتب موظف من الدرجات العليا.
سافرتُ إلى العديد من دول العالم، وكنتُ أحمل دومًا غزة وشعبها بين جوانحي. وأنتظرُ بشغف أن تتغير أحوالنا، وأن نعيش كباقي سكان الأرض بأمان وكرامة، ونستطيع أن نخطط لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا لأعوام قادمة. ولكن لا تجعلنا تلك الحروب والانتفاضات المتعاقبة دومًا نستطيع التخطيط لليوم التالي من أعمارنا. فنحيا حياةً كاملةً بشكل مؤقت، معلقين ما بين الحياة والموت، وما بين الأمل واليأس.
نقبعُ منذ عشرين عامًا محاصرين في غزة نشاهد العالم عبر شاشات التلفزيون. كنا نتابع في الماضي الأفلام والمسلسلات والأغاني وآخر صيحات الموضة ومايكل جاكسون وتايتانيك وكأس العالم، ونحلم مع هؤلاء النجوم وتلك القصص. وكان هذا يبكينا أحيانًا لكي نستطيع أن نكمل حياتنا. ولكن في ظل هذا التطور الكبير في مواقع التواصل الاجتماعي عبر المنصات المختلفة مثل الفيسبوك والإنستغرام والتيك توك، أصبحتَ تشاهد العالم كله بشكل مباشر بين يديك. فتستطيع أن تسير عبر تطبيق جوجل في شوارع برلين ولاس فيغاس وشارع الشانزليزيه في فرنسا، وأن تسهر في قهوة الفيشاوي بالقاهرة، وتشاهد البائعين في شارع الفاتح بتركيا والقوارب الراسية في البندقية وفي أنهار أمستردام. يقع العالم كله بين يديك؛ وقد يكون هذا مفيدًا لكل العالم، ولكنه يدفع إلى اليأس والقهر أهلَ غزة الذين لا يزالون يتجرعون سم الحياة قطرة قطرة، فلا هم يموتون ولا هم يعيشون. ومن أسوأ الأشياء التي قد يشعر بها الإنسان هو التعلق في المنطقة الوسطى، كما قال الشاعر الكبير نزار قباني: “ما بين الجنة والنار.”
تصعبُ حالة الانتظار دومًا حتى ولو كانت بأبسط أشكالها؛ فعلى سبيل المثال، حينما تقف في طابور ما تشعر بالاختناق وبأنك أسير تلك اللحظة لا تعلم لماذا، رُغم أن شكل الموضوع بسيط: فأنت مجرد واقف، وقد يكون وقوفك في طابور بنك لتستلم مبلغًا من الأموال، فتحصل نتيجة وقوفك هنا على نقود، ومع ذلك تشعر بأن الدقيقة تمر عليك كأنها ساعات طويلة. فما بالك بهذا الوقوف المستمر طوال الحياة دون أن ينتهي؟ وفي كل مرة يكون ما ينتظرك في نهاية الطابور موتًا وقصفًا وحصارًا وظرفًا أسوأ من الذي سبقه.

«سنبقى هنا على الأنقاض، لأنه لا توجد حياة لنا خارج غزة». مأوى خشبي مؤقت أقامه علاء جودة (38 عامًا) لعائلته، يقف على أنقاض منزله المدمر في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، 11 مايو 2026، الصورة: يوسف زعنون/Activestills
حينما صعد منزلنا إلى السماء وارتجت المنطقة، أدركتُ لحظتها أننا دخلنا في مرحلة جديدة من التصعيد والحرب بهدوء ودون ضجة. كان هذا قبل أسبوع، واقترب القصف أول أمس أكثر من منزلنا؛ فلم يكن يبعد سوى ثلاثين مترًا، إذ تم القصف أمام البقالة التي نتسوق منها. وصدر صوتٌ شعرتُ أنه داخل منزلي، ولا تزال الحجارة تتساقط من أعلى بيتي، وينجو الأطفال في كل مرة بأعجوبة. وأشعر أحيانًا أن المنزل يحدثني ويقول لي: “ما ذنبي أنا حتى يتم قصفي؟”
خرجنا راكضين إلى مكان القصف لكي نسعف المصابين. وكان أول شخص شاهدتُه غارقًا بدمه بسبب إصابة في رأسه هو حلاق الحارة، الذي كان صالونه عبارة عن خيمة صغيرة، وكرسيين من البلاستيك، وكرسي كبير يجلس عليه من يريد أن يحلق، ومرآة صغيرة. كانت أحلام خالد بسيطة؛ إذ كان كل ما يحلم به هو أن يوفر قوت يومه له ولأبنائه. وكم غمره الفرح حينما كتب على قماش الخيمة: “صالون خالد لأحدث القصات العالمية.” وكثيرًا ما ألاحظ أصحاب المحال في غزة يُدخلون كلمة “العالمية”؛ فيكتب بائع أحذية مثلًا: “أحدث الماركات العالمية”، ويبيع بائع فلافل: “ساندوتشات عالمية”، حتى بائع الفشار يصف فشاره بأنه “عالمي”. وكأن الناس يودون أن يرسلوا رسالة إلى العالم أننا جزء منكم، ولسنا في غزة معزولين في جزيرة خارج العالم؛ نحن من العالم، فانظروا إلينا، وشاهدونا، ها نحن نقف أمامكم، ولدينا يدان ورأس. وهل تعلمون أن هذا الرأس يستطيع أن يفكر، ويستطيع الإبداع، ويستطيع أن يفهم في الموضة والكرة وأصول الإتيكيت، وأحيانًا يغني ويرقص؟
لا يخبرني أحدٌ بعد كل ما يحدث في غزة إلى الآن أن العالم يشعر أن هنا بشرًا. فلا أحد بأمان، ويعرض الموتُ كلَّ أهالي غزة للخطر في كل ثانية. ويموت الناس صدفة؛ إذ بات البقاء على قيد الحياة مجرد حظ. أحيانًا نحاول أن نخطط للمستقبل، وأقصد بالمستقبل شهرين أو ثلاثة، ولكن حينما تجد الموت يطرق باب منزلك، تصبح الحياة عبثًا، وتغدو الحقيقة الوحيدة هي الموت.
ارتقى عدة شهداء كانوا في سيارتهم مدرجين بدمائهم، ومن بينهم أطفال قد يكونون في هذه اللحظة خارجين للجلوس على شاطئ البحر، أو ربما كان يصطحبهم عائلهم ليشتري لهم الملابس ونحن على أبواب عيد الأضحى. ولم يسلم أحد في المنطقة: سواء من كان يجلس أمام دكانه، أو داخل بيته، أو يسير على الطريق؛ فكلهم مشاريع شهداء ينتظرون تلك الصدفة.
يحدث في غزة الآن ما هو أصعب من الموت. فلم أعد أطيق هذا اللون الرمادي الذي يغمرنا منذ بداية الحرب؛ إذ أصبح هو السماء التي تغطي كل شيء في غزة. وليس لون الركام وحده رماديًا، بل غدت الحياة نفسها كذلك، حتى المشاعر والإحساسات بتنا لا نثق بها كثيرًا بعد أن صُبغت باللون الرمادي.
أعتقد أن هناك خبراء علم نفس وعسكر وسياسيين وعلماء يديرون ما يحدث في غزة حتى تصبح البيئة طاردة لأهلها؛ إذ يحاولون فعل كل شيء ليصلوا إلى هذا الهدف. وحصل ذلك حتى في انتشار الفئران والجرذان بهذا الشكل الكبير وغير المسبوق في غزة وبأنواعها المختلفة، وكأنها رُميت أو دُفعت للانتشار في المنازل والخيام لتضيف جنونًا على الجنون. ولم يعد أحد من سكان غزة يستطيع أن يفتح بابًا أو شباكًا بسبب انتشار القوارض، ناهيك عن أصواتها وصراخها المزعج في وسط الليل؛ وكأنه ينقصنا أصوات! ألا يكفي صوت الزنّانة وأصوات الصواريخ وأصوات صراخ الثكالى حتى تُضاف لنا أصوات الجرذان؟
يكتم الناس غيظهم بقهرهم وهم مدركون لكل تلك الخطط التي تمرسنا عليها منذ عشرات السنين. والحقيقة الواضحة والمُجربة أن أهل غزة يعشقونها أكثر من كل الدنيا برغم دمارها وقمامتها وجرذانها. فلا بيت لدينا سواها، ومهما حاولوا في السابق تهجير الناس ودفعهم للمغادرة، إلا أنهم تشبثوا دومًا ببيوتهم ولم يغادروها تحت تهديد الموت والقصف والدمار، حتى وإن مسحوا ودمروا قرى ومدنًا بأكملها مثل بيت حانون وبيت لاهيا ورفح وخانيونس وجباليا.
يقبعُ في غزة سرٌّ: فمن تربى بين أزقتها وعلى شاطئ بحرها، وتمشى بسوق الزاوية وشارع فهمي بيك وقلعة برقوق، وتجول في المحال التجارية القديمة وسحرها، واستلقى على شاطئ بحر رفح؛ لا يستطيع مغادرتها، وحتى وإن غادرها فلا تغادره.
كان أصدقائي يستغربون دومًا من حبي الشديد لغزة، ويسألونني لماذا لم أفكر في الاستقرار بأي بلد أوروبي رُغم أنني كنتُ كثير السفر. فكنتُ أجيبهم: “أنا أحب غزة وأحب أهلها؛ أتعلمون؟ لو قدّر الله لي أن أذهب إلى الجنة سأطلب منه أن يعيدني إلى غزة.” استمروا بقصفنا، ودمروا منها ما تبقى، واملؤوها بالجرذان والوحوش الضارية، فسنبقى هنا فوق أطلالها؛ إذ لا حياة لنا خارج حدودها.


