غزة فيها مسرح – نصوص للكاتب المسرحي علي أبو ياسين

 

ننشر للكاتب والمخرج المسرحي الفلسطيني من غزة، علي أبو ياسين، مقالًا ضمن سلسلة شهرية تُنشر باللغتين العربية والألمانية، يوثّق فيها شهادته على حرب الإبادة الإسرائيلية التي يتعرض لها قطاع غزة.


غزة فيها مسرح بقلم علي أبو ياسين

ثمة كثيرٌ من الأشياء التي تلازمني في الحياة وأقوم بها دون تفكير، مثل الأشياء التي فُطر عليها الإنسان كالتنفس والطعام والشراب، ويبدو أيضًا أن سنوات عملي الطويلة في المسرح جعلَتهُ كذلك بالنسبة لي، فطوال الحرب لم أتوقف عن الكتابة، وكتابة المسرح أيضًا، فمن حسن حظي أنني أمتلك تلك الهبة، وقد كتبت عملين مسرحيين: نص مونودرامي عن تجربتي الشخصية في الحرب، ونصًا جماعيًا بعنوان “بربيش” يتحدث عن الحالة السياسية والاجتماعية بشكل ساخر.

بعد عودتي من النزوح في المرة الثانية، كثيرًا ما كانت الأفكار تراودني بأن أقوم بإخراج مسرحية كنت قد كتبتها في باريس بعنوان “ابن البحر”، ولكن كنتُ سرعان ما أطردُ تلك الأفكار من رأسي، وخاصة أن الحرب لم تتوقف، وأن الأطفال ما زالوا يصطفون على شاحنات المياه وعلى أبواب التكايا، ولا تزال الخيام المهترئة والممزقة تنتظر فصل الشتاء حتى تحلق في أعالي السماء.  كل ما حولنا والمنطق يقولان: لا يمكن تقديم مسرح الآن؛ لأن المسرح بحاجة إلى الاستقرار، ولا شيء في غزة على حاله، ولكن أحيانًا يكون المنطق في جانب واللامنطق في جانب آخر، وما كنت تعتقده منطقًا يتضح بعد ذلك أنه لا منطق، واللامنطق تكتشف أنه المنطق بعينه، فيبدو أنه حينما يصبح كل شيء غير منطقيّ يصبح اللامنطق هو المنطق.

هذا ما حدث معي بالضبط حينما قدمتُ قبل أيام مسرحية “خمسون دقيقة في غزة”، التي تم تمويلها من قبل مؤسسة روزا لوكسمبورغ الرائعة؛ حين اقترحتُ عليهم عمل ورشةٍ لشباب وصبايا غزة على الكتابة المسرحية، على أن يكون نتاج الورشة مسرحيةً لمدة عشرين دقيقة.

ولكن، حينما بدأتُ بكتابة النص، جذبتني الفكرة ومناخ العرض الجميل لكي أحوّله إلى مسرحية طويلة، وهذا ما حدث بالفعل؛ فوجدتُ نفسي غارقًا في إنتاجٍ كبير يصاحبني فيه أفضل المصممين للموسيقى، والاستعراض، والملابس. ومن عادتي أنني إذا أردتُ أن أقدم شيئًا، أن أقدمه على أفضل شكل ممكن.

وبعد أربعة شهور من التدريب، استطعنا أن نعلن عن موعدٍ لافتتاح المسرحية. ومن هنا نبدأ الحكاية أو الحكايا؛ فللمسرحية حكايتها، وللممثلين والجمهور والعرض حكاياهم الخاصة، ولو أردتُ أن أفصل كل حكاية على حدة لاحتجتُ إلى أكثر من مقال.

ولكن سأحدثكم عن الجمهور الذي شاهد المسرحية، وهم أكثر ما أسعدني وأبكاني في اللحظة نفسها. ليس هذا فحسب، بل إن التجربة تجعلك تعيد النظر في كثيرٍ من المفاهيم حول المسرح وسحره وعظمته وتأثيره. وأيضًا، جعلتني تلك التجربة أؤمن أن للثقافة تأثيرًا تراكميًا حينما ينضج لا يتزحزح ولا ينحني أمام العواصف، بل يكون قويًا بقوة الكلمة والإيمان بالجمال والإنسان.

وإلى التفاصيل…

كنت أقوم بعمل البروفة النهائية (الجنرال) في مؤسسة القطان، وكانت أبواب المسرح التي تؤدي إلى داخل المركز مفتوحة على مصراعيها، وفجأة أثناء البروفة وأنا أكتب ملاحظاتي سمعت همهمة، فانزعجت من الصوت، فنهضتُ مسرعًا لأسكته، ولكني تفاجأت بوجود عشرة أطفال أتوا من الخيام الملاصقة للمركز، وأعمارهم ما بين عشرة إلى خمسة عشر عامًا، ولكن حينما نظرت إلى وجوههم توقفت تمامًا عن فعل أي شيء؛ فنظراتهم التي كانت ترجوني ألا أبعدهم، وهذا البريق الذي كان يلمع في عيونهم، ووجوه الأطفال التي لم أشاهدها منذ ثلاث سنوات، وجوههم البريئة والحالمة، والمشاعر التي كانت تكسوها، والتي حينما رأيتها تسمرت في مكاني، نظرت إليهم بمشاعر مختلطة ما بين السعادة والحزن؛ السعادة لأنني أيقنت أن مسرحيتي ستكون ناجحة وتؤثر في الناس، كما أوقفت الزمن أمام هؤلاء الأطفال، وما أحزنني أنني شاهدت للمرة الألف حجم المأساة وآثار الحرب والندوب النفسية التي طُبِعَت على أرواح أطفالنا، تلك اللحظة وتلك النظرة ستبقى مطبوعة في قلبي ما حييت.

يومها، وبعد انتهاء البروفة، خرجت إلى خارج المسرح، رأيتهم ينتظرونني على الباب الخارجي، وقالوا لي: “عمو، ادعينا على المسرحية، لمن تعملها؟ إحنا أول مرة بنشوف مسرح”، ورد أحدهم: “إحنا فش عنا تلفزيون”، وقال ثالث: “هاد اللي شفناه حقيقي، واللا هدول بيمثلوا؟”.  أدركت حينها أن أطفال غزة الذين عاشوا الحرب وكبروا خلال سنواتها لم يشاهدوا مسرحًا، وليس ذلك فحسب، بل إن من شاهد مسرحًا وهو طفل قد نسي ذلك، وذاكرته فارغة من أي مشاهدات مسرحية، وطبعًا لا توجد سينما ولا تلفزيون بسبب انقطاع الكهرباء وأسباب كثيرة أخرى.

أما على صعيد الافتتاح وجمهور الكبار، فحينما بدأت بإرسال الدعوات لهم—وأنا دائمًا ما أرسل الدعوات عن طريق “الواتساب” و”الماسينجر”—فحينما بدأت أقلّبُ الأسماء لأرسل لهم الدعوات، كانت الصدمة بالنسبة لي أن أصدقائي تقريبًا نصفهم إما استُشهدوا أو هاجروا خارج غزة.  بدأت بإرسال الدعوات وأنا أفكر: كيف سيتمكنون من القدوم وسط هذه الحرب الطاحنة والمواصلات الصعبة؟ وخاصة أن مركز القطان لا توجد مواصلات مباشرة تصل إليه، بل تحتاج إلى أن تمشي مئات الأمتار لتصل إليه، فقلت في نفسي، سأرسل الدعوات من باب الإبلاغ والمعلومة أن لدي عرضًا مسرحيًا جديدًا، ولكن بعد دقائق من إرسالي للدعوات لبعض الأسماء، بدأ الأصدقاء والمعارف—بعد التهنئة بالعرض—يستأذنون مني أن يصطحبوا صديقًا أو زوجة أو ابنًا؛ لأنني أبلغتهم بأن العدد محدود، وبدأت تنهال الرسائل برغبتهم الشديدة في مشاهدة المسرحية، وقد فاجأني ذلك جدًا، واستغربت رغبة الجميع في مشاهدة العرض.  إلى الآن كنت لا أدرك ماذا فعلت، ولكن كما أخبرتكم في بداية المقال، إن المسرح بالنسبة لي كالماء والهواء، ودومًا ما أقدم المسرح؛ فلا بد أن أتنفس المسرح من جديد.

أتى المدعوون إلى المسرح، وجلسوا تحت إضاءة المسرح الخافتة في قمة السعادة والبهجة، كثير منهم يعرف بعضهم بعضًا، وتبادلوا التحايا، وأكاد أجزم أنها المرة الأولى التي يلتقي فيها هذا الكم من الناس الذواقة للمسرح في هذا المكان بشكل إنساني وراقٍ، ليشاهدوا عرضًا مسرحيًا يعبر عنهم ويقدمه شباب وصبايا البلد.  كانت حالة الضيوف في القاعة أكثر من فرحٍ، وإلى الآن لا أزال لا أجد تفسيرًا لها، وبدأ العرض.

كانت المسرحية تناقش أحلام الشباب، وانعكاس الحرب وتداعياتها على مجمل حياتهم وأحلامهم بشكل تراجيكوميدي.

كنتُ أشعر بأن العرض جيد جدًا، ولكن حينما انتهى العرض وقف الجميع يصفقون بحرارة، وبعضهم يصرخ: “رائع يا علي، أنتم تعيدون الحياة إلى غزة، اليوم تعلنون عن غزة الجديدة التي لا تنكسر.”  كنتُ كثيرًا ما أردد خلال مقالاتي التي كتبتها في الحرب أن غزة كالعنقاء تنبعث من تحت الرماد، واليوم أعيد الجملة بصيغة أخرى: إن مسرح غزة يعيد الحياة للعنقاء؛ فالمسرح حياة وقوة وجمال وثقافة ورقصة ودمعة وبسمة وصمود، ولذلك ليس غريبًا أن يستمر المسرح بحضوره على مدار آلاف السنين.  لا أعلم لماذا في هذا العرض بالذات شعرت أن إسخيلوس وشكسبير وبريخت وجان جينيه وجان بول سارتر وألفريد فرج وسعد الله ونوس ومحمود دياب وتشيخوف وكل عظماء المسرح يجلسون في الصالة بين الجمهور ويشاركونني فرحتي بانتصار المسرح على الموت، وبقدرة المسرح الساحرة على أن يتعافى بها هؤلاء الممثلون الواقفون كالفُرسان على خشبة المسرح، يغضبون ويفرحون ويحزنون ويخجلون ويخافون ويرقصون بكل حرية؛ فلا يستطيع الوقوف على الخشبة مؤديًا دوره باقتدار إلا من تعافى نفسيًا، فالمسرح حرية، ويجب أن يكون الممثل حرًا حتى يستطيع أن يقدم ما يؤمن به بكل حرية.

أن تقدم مسرحًا في غزة الآن هو إعلان غير رسمي بصمود هذا الشعب في وجه الاحتلال، وأنه عصي على الانكسار، وأنه حي يحب الحياة، ويحب السلام، ويحب المسرح.  بعد أن انتهى العرض تقدم إليّ معظم من شاهد المسرحية، وهم من الأطباء وقادة المجتمع المدني والفنانين والكتاب وبعض الجمهور العام، جميعهم احتضنوني وبكوا على كتفي، وكانوا يهمسون بعبارات الإطراء على المسرحية وعلى العاملين فيها.  لقد تأثرت كثيرًا بدموعهم وهمساتهم، وسعدت جدًا أن القدر اختارني لأن أكون فنانًا مسرحيًا.  آمنت بالمسرح وأحببته منذ طفولتي، ولم أكن أعلم أن لديه تلك القوة وكل هذا السحر.

فأهلًا بكم في غزة، أهلًا بكم في الحياة، أهلًا بكم في المسرح.

شاركوا المنشور
})(jQuery)