نصوص علي ابو ياسين – الكائنات الفضائية

 

بدأتُ أنتظر منذ لحظات الوعي الأولى، بشغف وبخوف أحيانًا، هبوط الكائنات الفضائية التي رافقتني سنوات العمر الطوال، وأخذت من تفكيري أوقاتًا كثيرة. فكنت أتابع أخبار سقوطها في أستراليا مرة، وفي أمريكا مرات عديدة، وفي ريف بريطانيا، وأقرأ بشغف ما قاله شهود العيان عن تلك الأطباق الطائرة، وتلك المخلوقات الفضائية ذات الوجه النحيف، والذقن المدببة، والعينين الواسعتين، والرأس الأملس، والجسم النحيل، ومرة يصفونها بأنها مخلوقات قصيرة جدًا بمواصفات وجه مختلفة.

وتعددت أشكال ووجوه الكائنات الفضائية، ولكن ظلت تلك الأسئلة تدور بخاطري حول مدى تطورهم التكنولوجي والعلمي عن كوكب الأرض؛ وهل هم من الأشرار أم من الأخيار؟ وهل ينزلون على كوكب الأرض للاستطلاع وإجراء الدراسات حول الإنسان وحضارته، أم هم من الأخيار الذين يريدون مساعدتنا في المستقبل في مجال التطور العلمي والطب؟

ظلت تلك الأسئلة تدور في ذهني حول ماهية تلك الكائنات الفضائية؛ هل هي حقيقة أم خيال؟ ففي كل انتخابات للرئاسة الأمريكية، كان الرؤساء الأمريكيون -خلال حملاتهم الانتخابية- يعدون جمهورهم والعالم بأنهم فور فوزهم سيعلنون للعالم حقيقة الكائنات الفضائية. وكنت في كل مرة أنتظر بشغف أن تنتهي الحملة ويفوز الرئيس الذي وعد بكشف الحقيقة، ثم يفوز الرئيس وينشغل -مثل سابقيه- بالحروب والصراعات الداخلية، فينسى وينسينا وعده. وإن كنت أعتقد أن تلك الكائنات هي صناعة أمريكية، وأن تلك الأطباق وما تحمله من غرائب لم تخرج عن إطار السياسة الأمريكية، ولن يأتي أحدٌ من الفضاء الخارجي.

ولكنني اكتشفتُ أن الكائنات الفضائية بأطباقها الطائرة أتتنا بأشكال وأنواع مختلفة، شاهدناها في قطاع غزة بأم أعيننا؛ كالزنانات الصغيرة، و”الكواد كابتر”، وطائرات “الإف 16” و”الإف 35″، والفوانيس المضيئة، وحاملات الطائرات، ورسومات غريبة عجيبة في السماء، وقنابل ذكية، وأخرى غبية، وفسفور. وكل ذلك كان يأتينا من الفضاء بأشكال مرعبة تبيد مناطق بأكملها بمن فيها عن الوجود. وفي أحيان كثيرة، كانت تلك الأطباق الطائرة المسماة بـ “الكواد كابتر” تتحدث معك، وتفتش ملابسك، وتنظر إليك.

أخبرني صديقٌ لي اسمه معمر، أنه كان في يوم من أيام الحرب الجميلة المليئة بالأطباق الطائرة، مستلقيًا على فراشه وقد غالبه النوم من شدة القصف الجميل والمتفجرات الرائعة التي تحيط بالمكان. كان مستندًا إلى جدار في غرفته، خائفًا على أبنائه من تعرضهم للقصف المحيط بالمكان؛ فلا حيلة لنا أمام تلك الكائنات القادمة من الفضاء. ولكن حدث معه في تلك الليلة شيءٌ لن ينساه مدى الحياة من شدة ما أرعبه، ومن شدة ما رأى من أشياء لم يتخيلها. فبينما هو في تلك الحالة، وفجأة، سدت النافذةَ المقابلة له في الغرفة طائرةٌ صغيرة نسميها “كواد كابتر”. ومن مواصفات تلك الطائرة المميزة والجميلة أيضًا، أنها تستطيع التقاط صورة لك، وتجري بحثًا أمنيًا عنك في ثوانٍ، وتقرر إذا كنت إرهابيًا -حسب قناعاتها- أم مواطنًا صالحًا، وتتحدث معك بصوت واضح لتلقي إليك الأوامر بأن تقف وتنظر إليها دون حراك؛ لكي يتسنى لها التقاط صورة لك بشكل واضح، وطبعًا البنادق منصوبة على جانبيها، وتستطيع إرداءك قتيلًا في ثوانٍ معدودة.

وقف صديقي ينتظر الحكم من السفينة الأم: إما الحياة وإما الموت. كان طوال فترة حديثه معي يؤكد لي كم كان مرعوبًا ومذهولًا، ويخبرني قائلًا: “قد يبدو الكلام عاديًا، ولكن يا صديقي، اللحظة الفعلية مرعبة جدًا وأنت تتخيل أن هذه التكنولوجيا التي تملكها تلك الكائنات الفضائية قد تخطئ، وأنك قد تموت في غرفتك بطريقة لم تخطر على بالك ولا في الأحلام. كتمتُ أنفاسي برعب الكون، أنتظر وأنتظر، وشعرتُ وقتها بالكائنات الفضائية، ثم غادرتْ وذهبتْ بعيدًا. قررتُ في تلك الليلة أن أترك غزة وأذهب بعيدًا أنا وعائلتي؛ لأن الموت يأتي بغير ميعاد وبميعاد، وبمجرد صدفة، وأيضًا مع سبق الإصرار والترصد، فالموت يحيط بنا من كل الاتجاهات، وتُخلَق له كل الظروف المنطقية والعبثية.” والآن يعيش صديقي هو وعائلته في النرويج، وكثيرًا ما يرسل لي مقاطع مرئية له ولعائلته وهم يسيرون في شوارع المدينة.

كرهتُ هذا الطبق الطائرَ أكثر من أي شيء آخر في حياتي، أما الأطباق الأخرى مثل “الزنانة”، فإنني أكره جدًا أن يفرض أي أحدٍ شيئًا علي؛ ففعل الاغتصاب من أكثر الأفعال شناعة وإهانة للإنسان، و”الزنانة” تغتصب رأسك أيامًا وليالي وسنوات متعاقبة، ولا تتوقف عن إصدار هذا الصوت الحاد القاتل المزعج أبدًا. وما نعلمه عن هذا الطبق أنه يلتقط معلومات وصورًا، قد تكون صورًا أو أصواتًا أو خرائط جغرافية، ولكنها طائرة تجسس وموت كما يقال، وقد تكون لا تؤدي وظيفةً سوى إصدار هذا الصوت الذي يدفعك أحيانًا إلى الجنون.

ظهرت الكائنات الأكثر غرابة على شكل مجسمات وألعاب صغيرة تُلقى على جوانب البيوت المدمرة وفي الطرقات، ثم اتضح فيما بعد أنها كائنات صغيرة تصور وتجمع المعلومات حول المنطقة، وإن آخر ما يمكن تخيله هو أنها لعب أطفال.

تطورت حتى الكائنات الفضائية التي عرفناها في السابق -مثل طائرات “الإف 16”- تطورًا كبيرًا؛ فأصبحت أكثر ديناميكية ودقة في تحديد أهدافها؛ إذ تستطيع مثلًا تدمير حي بأكمله، وتستطيع كذلك اغتيال شخص على مكتبه دون إلحاق أي ضرر بباقي المبنى.

تحيط بنا إلى الآن أطباقٌ طائرة لا نراها ولا نعلم آلية عملها، بل تحيط بنا دون أن نشعر. فمثلًا، في أحيانٍ كثيرة حينما كان يتصل ضابط المخابرات الإسرائيلي بشخص ما ليأمره بإخلاء منزله، وأن يخبر جيرانه ليفعلوا المثل، ليتسنى له تدمير المنزل وربما المربع السكني كاملًا دون إلحاق خسائر بشرية بالسكان؛ كان الأهالي يغادرون منازلهم ويذهبون بعيدًا، فيعاود الضابط الاتصال ليخبر الشخص نفسه بأن يذهب إلى منزل معين لأن فيه شخصًا نائمًا لم يخبره أحدٌ بالإخلاء!

وتكرر هذا الأمر كثيرًا، فحتى النائم في القبو يستطيعون رؤيته من خلال وسائلهم الفضائية، أو لعل لديهم أجهزة تستشعر الطاقة المنبعثة من الإنسان، وهذا يعني أننا مراقبون أينما كنا، حتى الجنين في بطن أمه يستطيعون رصد تحركاته؛ كي لا يقوم بعمل إرهابي كما يدعون!

تُمثّل هذه الكائنات التي رأيناها وأخبرتكم عنها جُزءًا ممّا شهدناه، وكلي ثقة بأن الكائنات التي لا نعلم عنها ولم نرها هي أخطر بكثير من تلك التي نعرفها أو نعلم بوجودها؛ وإلا فلماذا نسمع إسرائيل طوال الوقت تقدم الشكر للأمريكيين على مساعدتهم في الحرب في مجالات الاستعلام، والرصد، والتنصت؟ وكما نعلم، فإن إسرائيل متقدمة في هذا المجال، ولديها الكثير أيضًا من الكائنات الفضائية، ولكن طلبها المساعدة من الأمريكيين يعني أن لديهم تكنولوجيا وتطورًا لا يعلمه أحد، لا سيما في ظل طفرة الذكاء الاصطناعي، والأقمار الاصطناعية، وتكنولوجيا المعلومات.

كنتُ أخاف أحيانًا من أن تغزو الكائنات الفضائية الأرض وتحتلها، وكنت أتخيلها أشباحًا مرعبة، وكثيرًا ما شاهدت العديد من الأفلام الهوليودية التي قدمت تلك الكائنات بهذا الشكل المخيف؛ مثل فيلم توم كروز الشهير “حرب العوالم”. ولكن في نهاية هذا المقال، يبدو أن الكائنات الفضائية موجودة بيننا بالفعل؛ في غرف نومنا، وفي كوابيسنا المزعجة، وأن الإنسان هو الكائن الوحيد على وجه الأرض الأكثر خطرًا على أخيه الإنسان، فكل الموت والقتل الذي نتعرض له كبشر لم يكن بسبب الأوبئة والأمراض والمفترسات، وإنما بسبب الإنسان وطمعه ووحشيته.

لن يتغير علينا شيءٌ في غزة حتى إن وُجدت الكائنات الفضائية، سواء أكانت مسالمة أم متوحشة؛ فالكائنات الإسرائيلية التي ترتدي أحدث الماركات العالمية تُصدر أوامرها بإبادتنا، ولا تزال تبيدنا وهم يبتسمون!

فإذا كان الهدف من التطور والتكنولوجيا، وخلاصتهما، هو القتل والتدمير والخوف والمرض؛ فبئس تلك التكنولوجيا وهذا التطور، وأهلاً بالكائنات الفضائية!

 

شاركوا المنشور
})(jQuery)