عاشق الحمام – نصوص للكاتب المسرحي علي أبو ياسين

 

ننشر للكاتب والمخرج المسرحي الفلسطيني من غزة، علي أبو ياسين، مقالًا ضمن سلسلة شهرية تُنشر باللغتين العربية والألمانية، يوثّق فيها شهادته على حرب الإبادة الإسرائيلية التي يتعرض لها قطاع غزة.


عاشق الحمام بقلم علي أبو ياسين

منذ أن عرف الإنسان معنى الاستقرار، لم تكن البيوت تُبنى بالحجارة وحدها، بل كانت تُشيَّد بما يسكنها من أرواح، وما يملؤها من ذكريات. وما يربط الإنسان بالمكان من تفاصيل صغيرة قد تبدو للآخرين عابرة، لكنها بالنسبة لصاحبها تمثل عمرًا كاملًا. فلكل إنسان عالمه الخاص الذي يختبئ فيه من صخب الحياة؛ عالم يجد فيه ذاته، ويمنحه القدرة على الاحتمال، ويعيد إليه توازنه كلما أثقلته الأيام. قد يكون هذا العالم كتابًا، أو شجرة، أو ورشة صغيرة، أو قطعة أرض، أو حتى طائرًا يحلق في السماء، لكنه في النهاية يصبح جزءًا من هوية صاحبه، حتى يغدو التفريط به أشبه بالتخلي عن جزء من روحه.

غير أن الحروب لا تكتفي بهدم البيوت وقتل البشر، بل تمتد لتقتلع تلك العوالم الحميمة التي يصنعها الناس بصبر ومحبة على مدار سنوات طويلة. فهي لا تسرق الممتلكات فحسب، وإنما تصادر الطقوس اليومية، والهوايات، والأحلام، والعلاقات التي تنشأ بين الإنسان وكل ما يمنحه معنى للحياة. وفي غزة، حيث أصبحت الحياة نفسها معركة يومية من أجل البقاء، لم يعد الإنسان وحده ضحية الحرب، بل أصبحت كل الكائنات تشارك هذا المصير، وكل قصة شخصية تتحول إلى مرآة لحكاية وطن بأكمله. ومن بين هذه الحكايات، تبرز قصة صديقي أبي محمد، الرجل الذي لم يكن يعشق الحمام لمجرد هواية، بل لأنه وجد فيه وطنًا صغيرًا ظل يحتمي به حتى اللحظة الأخيرة.

اتصل بي صديقي أبو محمد على غير عادته، وكان يحمل في صوته توترًا وغضبًا لم أعهدهما عنده سابقًا. تسلل هذا التوتر إلى نفسي، فسألته: ماذا حدث؟ فقال: حينما أحضر إليك سأخبرك، ولكنني بحاجة إلى أن أجلس معك لنتحدث، هل وقتك يسمح بذلك؟ فأخبرته: أنت مرحب بك في كل وقت يا صديقي، فمنزلي منزلك. فقال: إذن سأحضر حالًا، أنا بالقرب من منزلك.

وبعد دقائق كان يقف أمام المنزل ينادي: “أبو فادي”. فخرجتُ مرحبًا به، وكان العرق يتصبب من جبينه، ولا يكاد يلتقط أنفاسه، متكئًا على عكازه الذي أصبح رفيقه خلال الحرب. نعم، إنه يبلغ من العمر ثمانية وسبعين عامًا، ولكن قبل الحرب كان يبدو وكأنه لم يتجاوز الستين.

جلس على المقعد، وبدأ بتنشيف العرق، وبدأ حديثه بغضب، يتحدث معي عن حياته المقيتة التي أصبح عليها خلال الحرب، بعد أن استُشهد ابنه الكبير وترك له ثلاثة أحفاد، ودُمِّر بيته الذي كان يتكون من خمسة طوابق.

كان حديثًا عاديًا بالنسبة لي، فشكواه من الأبناء والأحفاد والظروف ليست جديدة، فالجميع يشكو من كل شيء، فالحرب لم تترك شيئًا في مكانه، حتى البشر أخرجوا أسوأ ما فيهم.

ما دفعني للكتابة حول صديقي أبي محمد ليس اتصاله، ولا شكواه، ولا لقائي به، ولكن قصته المغايرة والمختلفة عن كل القصص، وهذا ما أود أن أخبركم به.

فصديقي كان، منذ طفولته وحتى اليوم الذي دُمِّر فيه منزله، أحد كبار عشاق وهواة تربية الحمام في قطاع غزة. لم يكن الحمام بالنسبة له مجرد طير للزينة، بل احتل الجزء الأكبر من حياته، حتى أكثر من زوجته وأبنائه.

فكان لديه على سطح المنزل ما يقارب 250 مترًا، منها 150 مترًا بيتًا لتربية الحمام. وكان هذا البيت، وأنا أقصد أن أصفه بالبيت أو المنزل، لأنه أكثر من مجرد عشة أو حظيرة، فكانت أماكن أزواج الحمام مقسمة بشكل هندسي رائع، بحيث يكون لكل زوج من الحمام مكانه ومساحته الخاصة.

وطبعًا كان يمتلك أفخم وأفضل أنواع الحمام النادر، ولم يكن هذا المكان ملكًا لأبي محمد فقط، ولكنه كان بمثابة مزار أو متحف لكل هواة تربية الحمام في قطاع غزة.

ولأنني كنت أشاركه نفس الهواية في الماضي، فكنت أحيانًا أجلس هناك لساعات طويلة، نتحدث عن أنواع الحمام وفصائلها ومشاكلها، وكثيرًا ما كنا نتبادل الأنواع ونهجن السلالات لكي ننتج فصائل جديدة.

كان الحمام بالنسبة لأبي محمد هو حياته، وكينونته، وقوته، والمعنى الحقيقي الذي يستمد منه حضوره وشخصيته. وكيف لا، إذ كان هناك العديد من الشخصيات الفاعلة في المجتمع تزوره في المنزل لتجلس معه، ليتبادلوا أطراف الحديث عن الحمام وعن كل ما يخطر بالبال.

كان دائم الترحاب بكل زائريه، مهلِّلًا بفرح حينما يزوره هاوٍ جديد، يبدأ يشرح له، كخبير استراتيجي في تربية الحمام، حول ميزات الحمام وجماله وأنواعه، وما هي أفضل الطرق لمن يريد أن يبدأ في تربية الحمام.

كانت القهوة والشاي دائمًا حاضرين على مدار أربع وعشرين ساعة، وفي كثير من الأحيان كان هناك عشاء فاخر لكل الضيوف، وقد يكون عددهم تجاوز الخمسة عشر شخصًا.

كان بيته، كما يقولون، بيت كرم لرجل دمث، ميسور الحال. كنت أشاهده وهو يتحدث مع الأصدقاء كأنه طفل صغير، محلقًا بسعادة وفرح، مرتفعًا حتى عن تحليق الحمام.

والغريب أن الحمام كان يعرفه ويذهب إليه، وأحيانًا كثيرة يجلس على يديه، وأقدامه، وأكتافه، وكأنه تماهى في العلاقة بينه وبين طيوره، وبتُّ محتارًا: هل الحمام تأنسن، أم أن أبا محمد أصبح من فصيلة الحمام؟

كان بكل حيوية ونشاط يذهب إلى الطيور الصغيرة، يلتقطها من أواني الفخار التي ترقد بداخلها، ويتفحصها بإمعان بنظرة الخبير، ثم يعيدها تحت جناح أمها، ويلتقط البيوض ليضعها أمام نور الشمس، ليشاهد إن كانت ممتلئة بدم الجنين أم لا. وطبعًا هذه النظرة كانت تحتاج إلى عين خبير في عالم تربية الحمام.

كان هذا وصفًا مختصرًا لصديقي، ولسطح الحمام الذي كان مليئًا بالحب والوفاء الذي يتسم به هذا الطائر.

يقولون إن الطاقة الإيجابية تنتقل من شخص لآخر، ويبدو أنه أيضًا هناك طاقة إيجابية تنتقل من الطيور إلى البشر، فكان هذا الملتقى نموذجًا حيًا لمعنى الصداقة، والجيران، والمحبة التي يفتقدها الكثير من البشر في جميع أنحاء العالم.

ظلَّ صديقي أبو محمد في منزله جالسًا عند حمامه حينما نزحنا إلى جنوب قطاع غزة؛ إذ لم يستطع، ولم يرد، ولم يفكر في أن يترك حماماته وحدها، لسان حاله يقول: إما أن نموت معًا، أو نعيش معًا.

واستمرَّ جالسًا هناك، ينظر من أعلى السطح إلى شارع الجلاء الذي كان يشبه طوفان البشر المتجهِ نحو الجنوب هربًا من الموت، سواء بالمركبات، أو العربات التي تجرها الأحصنة والحمير، أو أيّ وسيلة نقل أخرى.

غادر إلى الجنوب خلال أيام قليلة ما يقارب مليون شخص، وعاد أبو محمد لينظر إلى شارع الجلاء الذي كان من أكثر الشوارع صخبًا وحياة. ولم تكن تتوقف أصوات السيارات والمارة ثانية واحدة حينما كنتُ أسهر على ذلك السطح، فلم يبقَ هناك سوى أبي محمد وطيوره، بعد أن أصبح المكان بين ليلة وضحاها وكأنه مقبرة بلا حياة.

كان الصراع الشديد الذي تعرض له صديقي ليس بقاءه، ولكن حينما بدأت المجاعة تضرب كل ما يتحرك في غزة، ولا أحد يجد طعامًا، لا بشر ولا حيوان، ولم يعد أبو محمد يجد ما يطعمه لطيوره.

وفي لحظة، كان الصراع يشتد بينه وبين الحمام. بدأت الأفكار تراوده بأن يبدأ بأكل الحمام، فغريزة الجوع أقوى الغرائز في الإنسان.

كانت هذه الأفكار قد بدأت تسيطر عليه، وخاصة أنه منذ أيام لا يأكل سوى حشائش الخبيزة.

وفي أحد الأيام، كان جالسًا مع عائلته، ويرى أحفاده يتضورون من الجوع، فلم يتحمل هذا المنظر، وبدأ وكأنهم يتوسلون إليه بأن يذبح لهم بعض أزواج الحمام.

فنظر إليهم وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وذهب مسرعًا إلى السطح، وفتح بيت الحمام، وذهب والتقط طائرًا صغيرًا ليقوم بذبحه، فحطت أمه على كتف أبي محمد، وبدأت تنقر في أذنه، وكأنها ترجوه بأن يترك صغيرها، وكأنها تعلم وتشعر بالمجاعة التي تحيط بعائلته وبها.

وحط زوج الحمامة على كتفه الآخر، وبدأ ينقر أذنه.

فنظر إليهما صديقي، وكأنه فهم الرسالة، وفي لحظة عجز لم يشعر بها من قبل، فقال في نفسه: إذا كان قدرنا، نحن البشر، أن نكون عاجزين عن إيجاد قوتنا، ومحاصرين عن الحركة من قبل الاحتلال، فلن يكون هذا قدركم.

فذهب وفتح كل أبواب البيت للطيور، وتركها تحلق بعيدًا وتختار مصيرها، وجلس على كرسيه الذي كان معتادًا أن يجلس عليه بصحبة الأصدقاء، وعاد بذاكرته إلى تلك الأمسيات، وضحكات الأصدقاء، وغضبهم، ونزاعاتهم أحيانًا حول طائر ما، وكيف كان، حينما يتأخر الوقت ويهمون بالمغادرة، يترجاهم بأن يبيتوا عنده تلك الليلة.

يومها كبر صديقي أبو محمد، في تلك اللحظة، عشرات السنين.

لم يطل الحال عليهم كثيرًا، حتى تم إبلاغهم بإخلاء المنزل تمهيدًا لقصفه، فقُصف بعدها ودُمِّر بالكامل، بكل ما فيه، وخاصة بعض أزواج الحمام التي رفضت أن تغادر أعشاشها، وظلت مخلصة لأعشاشها.

ولا تزال الطيور التي أعتقها صديقي تنتظر أن يُعاد بناء المنزل، حتى تعود إلى بيتها، وإلى صديقي، لتجلس على كتفيه، وتشاركه أجمل لحظات العمر برفقة أصدقائه.

الآن يعيش صديقي أبو محمد في خيمة لا تصلح للعيش الآدمي.

في أحيان كثيرة، ينظر من شباك الخيمة شاخصًا إلى السماء، يحاول أن يرقب أي طائر حمام هنا أو هناك، ولكنه لا يشاهد سوى طائرات الاحتلال، وصوت الزنانة يغلف المكان.

شاركوا المنشور
})(jQuery)