ضمن سلسلة شهرية تُنشر باللغتين العربية والألمانية، ننشر مقالًا للكاتب والمخرج المسرحي الفلسطيني من غزة، علي أبو ياسين، يوثّق فيه شهادته وتجربته في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة.
مقال هذا الشهر بعنوان: الحرب بأثر رجعي.
يقول مثل عربي: “عُمر الأسى ما بيتنسى”، وتقول مقولة أخرى إن الزمن كفيل بمداواة كل الجروح، وإن الإنسان سُمّي إنسانًا من النسيان، أي إنه خُلق بطبيعته قادرًا على النسيان. وتلك التناقضات بين الأمثال والمقولات، واختلافها باختلاف الليل والنهار، تعكس ذلك الصراع الذي يعيشه الإنسان دومًا بين المنطق واللامنطق. وينصحك جميع الحكماء بأن تنسى الماضي وما جرى فيه، وخاصة الذكريات الأليمة، حتى ترتاح نفسك. ولكن بعد أن تجاوزت الستين من العمر، أقول بكل وضوح: إن هناك ذكريات لا يمكن نسيانها، ذكريات حُفرت عميقًا في النفس والروح والعقل والجسد، تظل تزورك ليلًا كطيف غير مرغوب فيه. كنت أحمل أعباء تجارب الحياة القاسية على مدى سني العمر التي عشتها، ولكن يبدو أن السنوات الستين الماضية في حقيبة، وسنوات الحرب الثلاث وحدها في حقيبة أكبر.
قبل أيام، كنت أتناول طعام الإفطار، وكان عبارة عن طبق من الفول مغطى بزيت الزيتون، وملعقتين من الحمص، وقليل من الفلفل الأخضر، وبجوار الطبق قليل من المخللات ورغيف خبز فقط. لا أعلم لماذا، وأنا أستمتع بهذا الطعام، شعرت فجأة كأنني أفقت من كابوس حين تذكرت أيام المجاعة القاتلة ولحظاتها التي تعرضنا لها، حيث كان هذا الإفطار، لو تمكنت من الحصول على جزء منه خلال المجاعة، سيكلفك ما يقارب 100 دولار، أما الآن، فهذا الإفطار لا يتجاوز ثمنه 5 دولارات. تذكرت كيف كنا نوزع رغيف الخبز الصغير على أربعة أفراد، وكيف كان طبق الفول والحمص والزيت يبدو كأنه طبق قادم من الجنة. يقرر شخص واحد، في لحظة، إغلاق الحدود، فيجعل مليونين ونصف المليون إنسان يزحفون على بطونهم من الجوع، الذي يُعد أقوى غريزة لدى الإنسان. وتستحضرني هنا مفارقة غريبة عجيبة: أن الحكومة الإسرائيلية تطالب بنزع سلاح حركة حماس. والسؤال البسيط: ما جدوى تلك الأسلحة، والاحتلال يستطيع، في لحظة، أن يجعلنا نموت جوعًا، كما فعل سابقًا؟ فأرضنا وسماؤنا وبحرنا وهواؤنا وحدودنا، وحتى الأنفاس التي نتنفسها، معدودة علينا، وهم يتحكمون في كل شيء.
لا تزال الحرب تسكننا، سواء في ذاكرتنا أو على الأرض. قبل أيام، تم انتشال 112 شهيدًا من أصل 300 كانوا تحت ركام مبنى واحد، من عائلتي الحساينة وأبو شريعة. كان مشهدًا جنائزيًا مهيبًا لأكثر من 100 نعش لشهداء، ما بين أطفال وشيوخ ونساء ورجال. ورغم الإعلان الرسمي عن توقف الحرب، بدا هذا المشهد وكأنه يعيدها إلينا من جديد، ولكن في أبشع صورها، بألمٍ يفوق قدرة الإنسان على التحمل. لم تكن مجرد جنازة تسير في تلك الشوارع متجهة إلى المقبرة، بل كانت لوحة عظيمة مغطاة بأعلام فلسطين، وكأنها شاهدة على حجم تضحياتنا التي لا نزال ندفع ثمنها ليل نهار من أجل نيل حريتنا. وكل من مر بهذا الشارع، وكل من شاهد هذا المنظر، لا يمكن أن ينساه ما دام حيًا، وسيرافقه أبد الدهر.
عديدةٌ هي المشاهد واللحظات التي تجعلني أقفز مذعورًا في الليل حين تمر بخاطري. للحرية طعمٌ مختلف؛ قد يعيشها أو يشعر بها من يعيشون تحت الاحتلال أكثر من غيرهم، لأنهم طوال الوقت يبحثون عنها، ويتصنعونها في بعض الأحيان.
اصطحبتُ عائلتي قبل يومين، وذهبنا إلى البحر. جلسنا على الكراسي، وأمامنا طاولة وشمسية تَقينا من حرّ الشمس. كنا سعداء، أنا وأبنائي الستة ونساؤهم وأطفالهم، واصطحبنا معنا بعض الأطعمة والمسلّيات. كانت رحلةً جهّزنا لها منذ أسابيع حتى تكون كما يجب أن تكون الرحلات. وبعد استراحة قصيرة من الوصلة الغنائية التي قدّمها ابني فادي على العود، قال ولدي متنهّدًا: حينما كنا نازحين في الجنوب، في مدينة دير البلح، كانت عودتنا إلى غزة وإلى البيت، والجلوس في مثل هذه الجلسة على البحر، حلمًا كبيرًا. وعلّق ولدي الثاني: “اللي بطلع من داره بنقل مقداره”. وتذكّرنا الرجل الطيب الذي نزحنا عنده، وكم من مرة نجونا من الموت هناك. وبدأ ابني ثائر يتذكّر لحظة القصف، واللحظة التي أصبح فيها تحت الركام، وكيف كُتب له ولعائلته عمر جديد. وتذكّرنا الشهيدة عائشة التي استشهدت بجوارنا، وكيف أنقذنا المصابين والجرحى ونقلناهم إلى المستشفى.
خيّم الوجوم على وجوه الجميع، وبدأوا يلعنون الحرب وبشاعتها. وفي لحظة، اختفى البحر، واختفى الأطفال وضحكاتهم، وعاد اللون السكّني يحيط بنا من كل جانب، رغم أن الشاطئ في ذلك اليوم كان ممتلئًا عن آخره بالمتنزهين، الذين كانوا جميعًا يحاولون إغراق كل تلك الذكريات في البحر، ولكنها ما إن تصل إلى الشاطئ حتى تعود من جديد مع أول موجة انفعالية، وكأنها قطعة فلين تهرب إلى الشاطئ خشية الغرق.
ما يحيرني هو أنني حصلت العام 1994 على دبلوم خاص في علم النفس، ومن ضمن ما ذكره الأطباء الذين درّسونا أن هناك حدًّا لقدرة البشر على تحمّل حجم الصدمة التي يتعرضون لها. وكانت جميع الأمثلة التي طرحوها لأشخاص تعرضوا لصدمات كبيرة لا تُذكر أمام الصدمات التي اختبرناها في الحرب. كنت أستمع إليهم وأحزن على هؤلاء، وعلى قسوة ما تعرضوا له؛ كفتاة صغيرة لا تتجاوز الخامسة من عمرها ذهبت إلى شاطئ البحر بصحبة عائلتها، ويومها كادت أختها ان تغرق، وأنقذوها في اللحظة الأخيرة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت تلك الطفلة تخاف من الماء، فامتنعت عن كل شيء له علاقة به، حتى إنها كانت تشرب الماء بصعوبة كبيرة، وتخاف من الاقتراب من الصنبور، وتخشى أن تمسك بزجاجة الماء. كل شيء له علاقة بالماء كان يسبب لها الرعب.
تساءلت: هل أطفالنا معجونون من خلطة مختلفة عن العجينة التي صُنع منها أطفال العالم الآخرون؟ فهم الذين قُطّعت أوصالهم، وسُحبوا من تحت الركام ومن بين فكي الموت، وفقدوا عائلاتهم، ودُمّرت بيوتهم ومدارسهم وملاعبهم وطرقاتهم وأحلامهم، وحُرموا من كل شيء. والسؤال: كيف ستكون نفسيتهم، إن تبقّت لهم نفسية أصلًا؟ وكيف سيتم علاجهم؟ وهل نحن بحاجة إلى دراسات جديدة تختلف عما كُتب في كتب الطب النفسي من تحليلات ودراسات للنفس البشرية؟
كنا نسمع طوال الحرب أن مبالغ طائلة تُدفع من قِبل الشركات المصنّعة للأسلحة من أجل تجربة تلك الأسلحة، وقياس قوة تدميرها وتأثيرها في البشر والحجر. وكانت غزة مثالًا لا يتكرر لتلك التجارب، حيث نعتقد أنه جُرّبت في غزة كل الأسلحة الممكنة التي نعرفها ولا نعرفها. أما على الصعيد النفسي والوجداني للإنسان، الذي بات لا قيمة له في نظر الاحتلال، فلا أحد يدفع ولا يهتم بتلك الصدمات النفسية المختلفة التي تعرض لها هؤلاء الأطفال، ولا بنظرات عيونهم التي لا تشبه نظرات بقية الأطفال، ولا بلغة أجسادهم، ولا بإيقاع أصواتهم وتردداتها، ولا بغضبهم وهدوئهم. لقد أصبح كل شيء مختلفًا.
أعتقد أنه في حال استقرت الأوضاع في غزة، وعمّ السلام، وعادت أمواج البحر إلى مستقرها، وتجدد الهواء في سمائنا، فقد تُجرى دراسات كثيرة من قِبل متخصصين في مختلف المجالات من جميع أنحاء العالم، سواء في المجالات النفسية والاجتماعية والطبية والاقتصادية والجيولوجية والفيزيائية، وحتى البحر قد تطاله بعض الأبحاث. وبما أننا لا نزال نعيش الحرب، أعتقد أن غزة ستظل تحت المجهر لعشرات السنوات القادمة، لأن آثار الحرب ونتائجها ستظل حاضرة لعقود، وستظهر تباعًا مع مرور الزمن.


