عودة رجال في الشمس – نصوص للكاتب المسرحي علي أبو ياسين

 

ضمن سلسلة شهرية تُنشر باللغتين العربية والألمانية، ننشر مقالًا للكاتب والمخرج المسرحي الفلسطيني من غزة، علي أبو ياسين، يوثّق فيه شهادته وتجربته في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة.

مقال هذا الشهر بعنوان: عودة رجال في الشمس.


أُبلغنا عبر رسالة على الهاتف من السفارة الفرنسية بالتوجه في اليوم التالي إلى دير البلح، إلى مركز اليونيسف، حيث سيتم نقلنا بالحافلات إلى معبر كرم أبو سالم، تمهيدًا لإجلائنا إلى فرنسا.

صعدنا إلى الحافلة. كان عددنا يقارب ستة وثلاثين شخصًا؛ فنانين وكتّابًا وأكاديميين وطلابًا، من أعمار مختلفة. أطفالًا برفقة آبائهم من الأكاديميين، وفتياتً وشبانًا ذاهبين إلى الدراسة، وفنانين؛ مسرحيين وموسيقيين وسينمائيين، وباحثين عن فضاء آخر يمكنهم أن يواصلوا فيه أحلامهم وإبداعاتهم.

وأُبلغنا بوضوح: إذا سافرنا، فلا نحمل معنا سوى الهاتف المحمول وشاحنه، وبعض النقود التي توضع في حقيبة صغيرة حول الخصر، كتلك الحقائب التي يحملها الباعة لحفظ أموالهم.

جئت من غزة برفقة ابني أمجد، وتلميذي أحمد. وصلنا تلك الليلة إلى دير البلح، وبِتنا في منزل صديقي، حتى نتمكن من الوصول إلى مركز اليونيسف في السادسة صباحًا.

وصلت الحافلات. قدمنا التذاكر التي حصلنا عليها مسبقًا، وصعدنا.

كانت الساعة تقترب من السابعة صباحًا. الشمس لم تكن قد أشرقت بعد. جلسنا وانتظرنا طويلًا. طويلًا جدًا.

وأخيرًا، عند نحو الثامنة والنصف، تحركت الحافلة.

كانت تسير في شوارع دير البلح التي عرفتها جيدًا خلال فترة نزوحنا إليها. أخذت أراقب الشوارع من خلف زجاج النافذة، وراودني شعور غريب: ربما تكون هذه هي المرة الأخيرة التي أرى فيها هذه الأماكن.

لم تكن دير البلح مسقط رأسي، ولم أعش فيها طفولتي، لكنها احتفظت بالكثير من ذاكرتي في سنوات النزوح. وربما لهذا السبب بدأت أتأمل كل شيء؛ شارعًا، وبيتًا، وجدارًا، وشجرةً، حتى التفاصيل الصغيرة التي لم أكن أظن يومًا أنني سأشتاق إليها.

كانت الحافلة تلتهم الطريق باتجاه رفح.

وبعد أن تجاوزنا المناطق التي كانت لا تزال تحتفظ بشيء يشبه الحياة؛ الخيام، وبقايا البيوت المدمرة، وما تبقى من الناس، أصبحنا وحدنا تقريبًا مع البحر.

وهنا بدأت أشعر بالاختناق.

لم أعرف هل كان السبب شدة الحر وغياب التكييف عن الحافلة، أم ذلك الشعور المفاجئ بأنني ربما أشاهد بحر غزة للمرة الأخيرة.

بحر غزة.

البحر الذي عشت حياتي كلها إلى جواره، في مخيم الشاطئ.
كنت ألقي بجسدي على رماله طفلًا، وأعود منه إلى البيت وقد غطتني الشمس وملوحة الماء. كنت، طوال طفولتي وشبابي، أظن أن لون بشرتي أصبح أسمر بفعل الشمس ومياه البحر المالحة. وحين كبرت وقلّت سباحتي كثيرًا، اكتشفت أنني أبيض مثل والديّ.

هذا البحر كان بيتي ومسكني وعشقي.

كنت أحفظ خارطة صخوره. أعرف أماكنها واحدة واحدة. كنت أغوص بين صخوره بالناظور، وأبحث عن الأسماك في جحورها، وأعود إلى الشاطئ كأنني أعود من رحلة إلى عالم آخر.

هل يعقل أن تكون هذه نظراتي الأخيرة إلى روحي؟

فهذا البحر بالنسبة إليّ ليس مجرد بحر. إنه الهواء الذي أتنفسه.

في رحلاتي عبر العالم، مشيت على شواطئ كثيرة؛ في الإسكندرية، وسوسة، والعقبة، وعلى شواطئ فرنسا على المحيط الأطلسي، وفي مارسيليا، وعلى البحر الأسود، وعلى شواطئ أخرى كثيرة. لكن معظمها مرّ من الذاكرة ولم يبقَ فيها.

لم أرَ قط بحرًا يشبه بحر غزة.

ولا رمالًا بيضاء بهذا السحر.

كنت أنظر إليه من نافذة الحافلة وكأن عينيّ تريدان الخروج من محجريهما. كنت أتشبث به بنظري، أحاول أن أحفظه مرة أخرى، ربما لأنني كنت أخشى أن تكون هذه آخر مرة.

كان شاطئ رفح جميلًا، يشبه في سحره شاطئ السودانية عندنا؛ عريضًا، واسعًا، ممتدًا بلا نهاية. كانت رماله تبدو كأنها تبر الذهب. وكان جماله يغريك بأن تترك كل شيء، وتركض نحو الماء، وتلقي بجسدك فيه، ثم تخرج طفلًا كما كنت تفعل دائمًا، وتستلقي على الرمل أو تدفن جسدك فيه. حتى لو مت دون تلك اللحظة.

كانت الشمس قد ارتفعت، وبدأت الحرارة تشتد. كنا ندخل شيئًا فشيئًا في ذروة منتصف النهار.

فكرت أكثر من مرة أن أقفز من الحافلة، وأن ألقي بجسدي في البحر، ثم أعود مبللًا، فقط لأكسر حدة هذا الحر الذي بدأ يخنقنا.

لكن حتى نسائم البحر اختفت.

ذلك الهواء الخفيف الذي اعتدت أن أشعر به على وجهي لم يعد موجودًا.

كأن البحر حزين لمغادرتي.

أو كأنه يرسل إليّ، بطريقة ما، همسة عتاب:

ابقَ هنا.

قلت له في داخلي:

دعك مني يا بحر.

لم يبقَ في غزة شيء كما كان، إلا أنت.

حتى أنت غادرتك السفن والمراكب، وأصبحت تشعر بالوحشة والغربة مثلنا.

هل فكرت يومًا في المغادرة؟

كان سؤالًا لا أنتظر منه إجابة.

لكنني سمعته يهمس لي:

كثيرًا ما تغادر الأنهار أماكنها، وربما تجف ينابيعها، لكن البحر يبقى بحرًا. مهما حاولوا تغيير مساراته، فأنا أقوى من الزوال.

سأنتظرك يا علي.

هنا.

حتى تعود، ونلهو معًا كما كنا نفعل في أيام الصبا.

أفقت من أخيلتي التي غرقت فيها بمياه البحر، على نوبة الحر التي ربما لم تكن كل مياه البحر قادرة على إطفائها.

بدأنا جميعًا نتعرق.

ثم بدأ العرق يبلل ملابسنا.

ثم بدأ الاختناق.

ومرت الساعات.

وكان ممنوعًا علينا منعًا باتًا أن ننزل من الحافلة.
كنا، على الأغلب، تحت مراقبة الطائرات المسيّرة الإسرائيلية.

مضت علينا أكثر من ست ساعات ونحن تحت الشمس.

ست ساعات من الانتظار.

ست ساعات ونحن داخل حافلة مغلقة، نذوب من الحر، وننتظر إذنًا لا نعرف متى سيأتي.

بدأت أفكر جديًا في العودة إلى غزة، حتى لو اضطررت إلى السير على قدمي.

التفت إلى صديقي أبي عمر، الجالس إلى جواري، وقلت له:

سأنزل.

لم أعد أستطيع تحمل هذا الحر وهذا الإذلال.

لماذا ننتظر؟

فليدخلونا، أو فليقولوا لنا أن نعود.

كان يهدئني:

اصبر.

لقد مضى الكثير، ولم يبقَ إلا القليل.

قريبًا سيعطون تعليمات لموظفي اليونيسف بدخولنا إلى البوابة المؤدية إلى معبر كرم أبو سالم.

لكن لم تأتِ التعليمات.

لم يحدث شيء.

الشيء الوحيد الذي كان يتغير هو شدة الحر.

يزداد الاختناق.

يزداد العرق.

ويقترب الموت ببطء.

وأنا أكرر:

سأنزل وأعود.

وصديقي يكرر:

اصبر.

ويبحث لي عن مبرر جديد.

حتى بدأت أشعر أنني أختنق فعلًا.

وهنا، في تلك اللحظة الفارقة بين الحياة والموت، بين غزة وفرنسا، قفزت إلى ذهني فجأة رواية غسان كنفاني: “رجال في الشمس”.

يا إلهي!

كيف قفزوا جميعًا دفعة واحدة إلى داخل الحافلة؟

رأيت أبا قيس أمامي.

وسعدًا.

ومروان.

ورأيت أبا الخيزران جالسًا خلف مقوده، متأففًا، لا يتوقف عن مسح جبينه من العرق.

هل يعقل أن يعيد التاريخ نفسه؟

هل نحن على حدود المطلاع أم على حدود غزة؟

وإلى أين نحن ذاهبون؟

إلى الكويت؟

أم إلى فرنسا؟

ولماذا لا يكون غسان بيننا؟

ها هو أبو قيس يجلس أمامي بمقعدين.

لكن هذه المرة يصطحب عائلته.

قلت له:

ما دهاك يا أبا قيس؟

ألم تخرج وحيدًا؟

ألم تترك زوجتك وأبناءك الصغار خلفك يتضورون جوعًا، باحثًا لهم عن عمل ورزق يسكت جوعهم؟

لماذا تغادر الآن مع عائلتك؟

التفت إليّ وقال:

لم يبقَ لي في غزة شيء أبقى من أجله.

لم أغادر بحثًا عن الرزق.

أغادر بحثًا عن الأمان.

عن مستقبل لأطفالي.

عن ليلة واحدة أنام فيها مع عائلتي بعيدًا عن صوت الزنانات والرعب الذي يملأ قلوبنا كل ليلة، ونحن ننظر إلى السماء، ثم ننظر إلى بعضنا:

هل سنرى شمس الصباح؟

أم سنلتحق بموكب الشهداء الذين غادروا قبلنا؟

سأنجو بعائلتي يا بني.

يا إلهي!

أإلى هذه الدرجة وصل بكم الحال، أيها الرجل الطيب؟

ثم التفت إلى سعد.

قلت له:

وأنت يا سعد؟

أهانت عليك حبيبتك حتى تتركها وترحل؟

قال:

لم أتركها يا سيدي.

أنا أغادر لأنه لم يبقَ لي شيء.

قلت:

وحبيبتك؟

لماذا لم تأخذها معك؟

قال:

لقد تركتني.

قلت له:

أيعقل هذا؟

إن قصة حبكما التي كتبها غسان أصبح الجميع يعرفها.

لقد أصبحتما مشهورين جدًا.

كان عليك أن تبقى معها.

ابتسم وقال:

لقد ذهبت هي عند غسان لتكمل قصتها.

أما أنا، فبقيت هنا لأكمل قصتي معك.

اشتد الحر أكثر.

وأصبح العرق الذي يسيل من أجسادنا يتجمع تحت أقدامنا على أرضية الحافلة.

نظرت إلى البحر.

توسلته أن يكف عن صمته، وأن يرسل إلينا نسائمه العليلة، لعلها تنقذنا من هذا الاختناق، وتؤجل الموت قليلًا.

لكن عبثًا.

ثم نظر إليّ مروان وقال:

ماذا نفعل يا عمي أبا قيس؟

صرخت:

هل تريدون أن تجنّنوني؟

أنا لست أبا قيس!

ألم تعد تعرفني يا عماه؟ أنا مروان!

ألا تتذكر؟

تتذكر لحظاتنا الأخيرة في ذلك الخزان؟

حين تركنا أبا الخيزران وذهب ليحصل على تصريح المرور؟

كان الحر وقتها يقتلنا.

كنا نتصبب عرقًا ونختنق.

تمامًا كما يحدث الآن.

قلت لي بصوت خافت:

أنا أموت.

إذا بقيت حيًا، اذهب إلى أولادي وأبلغهم أنني أحبهم بشدة.

قل لهم إنني متُّ من أجل أن أجلب لهم الطعام.

ثم فتحت فمك عن آخره، تبحث عن ذرة هواء.

وتخشبت.

ثم تبعك أسعد.

وكان آخر ما سمعته خطوات أبي الخيزران وهو يركض عائدًا إلى الشاحنة.

ثم لم أعد أشعر بشيء.

نظرت إلى الشاطئ، وكان غسان يتمشى حافيًا، وهو مشمّر بنطاله حتى أسفل ركبتيه، ناظرًا إلى الرمال، ينثرها بأصابع قدميه. ثم التفت إليّ.

وسألته:

هل سنعيد الحكاية يا غسان؟

هل ستسألنا مرة أخرى:

لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟

فلتعلم يا صديقي أننا دققناها.

دققناها آلاف المرات.

بل ملايين المرات.

لكن لا أحد يريد أن يسمع.

طرقنا جدران الخزان بقبضاتنا.

ثم طرقناها بأظافرنا.

ثم بدمنا.

ولحمنا الحي.

دققناها حتى لم يبقَ جدار واحد على حاله.

لقد تحطمت الجدران كلها.

والأسقف.

والشوارع.

والبيوت.

والمدن.

وصل صوت طرقنا إلى أقاصي الأرض.

لكن لا أحد يسمع.

والأسوأ من ذلك:

أن العالم رأى.

رأى كل شيء.

ومع ذلك ظل صامتًا.

لقد طرقنا جدران الخزان يا غسان.

طرقناها حتى تهشمت أيدينا، وتهشم الخزان نفسه.

فلا تسألنا مرة أخرى:

لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟

أرجوك يا غسان…

أسكت أبا الخيزران. فعبثًا ينادي.

 

شاركوا المنشور
})(jQuery)