بقلم علي أبو ياسين
في أزمنة الحروب، تفقد الكلمات معانيها الأولى، وتُعاد صياغة المفاهيم البسيطة بطريقة قاسية ومربكة. السعادة، ذلك الشعور الذي اعتدنا أن نربطه بالطمأنينة والوفرة والضحك الخالي من الخوف، يتحول في واقع مثقل بالدمار إلى فكرة ملتبسة، بل إلى سؤال أخلاقي أحيانًا: هل يحق لنا أن نضحك وسط هذا الكم من الألم؟ لا يحاول هذا النص تبرير الضحك، ولا تزيين المأساة، بل يسعى إلى الاقتراب من الإنسان كما هو في لحظات ضعفه، وتناقضه، وصدقه العاري. هو محاولة لتوثيق ما لا يُوثق عادة: التفاصيل الصغيرة التي تُبقي البشر أحياء نفسيًا وسط الخراب، واللحظات العابرة التي تشبه السعادة دون أن تكون كذلك تمامًا. هنا تُروى الحكايات لا بوصفها قصصًا مضحكة، بل كشهادات على قدرة الإنسان على التشبث بالحياة، حتى وهو محاصر بالفقد والجوع والخوف والذاكرة الثقيلة.
قلت لأصدقائي حين اجتمعنا لأول مرة بعد انتهاء الحرب: “تعبنا من الحزن والبكاء، دعونا نبتسم.” فقالوا: “كيف نبتسم وكل ما في الحرب لا يوجد فيه سوى الألم والحزن؟” فأجبتهم: “لا بد أن تكون هناك ابتسامة أو لحظة شعرت فيها بالسعادة يومًا ما، في لحظة ما.” قال معظمهم: “لا نتذكر”. فأجبتهم: “ابحثوا عميقًا في ذاكرتكم، في خيالكم، لا بد أن تجدوا تلك الابتسامة.” قال محمد: “أنا عندي قصة حدثت معي في بداية الحرب، لكنها مخجلة، أرجوكم لا تضحكوا علي.” فقلنا له: “كيف هذا؟ نحن نلعب من أجل الضحك، إذا كانت مخزية لهذه الدرجة لا ترويها.” فقال متحديًا: “سأرويها نكاية بكم.” فقلنا له: “ذنبك على جنبك”.
قال محمد: “يا سادة، في أول الحرب كنت نائمًا في البيت في سابع نومة، أرتدي سروالًا قصيرًا وقميصًا داخليًا، وأغلق باب الغرفة، ولا أشعر بالدنيا وما فيها. فجأة، طرق الباب أحدهم وقال: افتح، جيش! فتحت الباب، فوجدت البيت كله مليئًا بجنود الاحتلال. أنزلوني ضربًا وحملوني ورموني في شاحنة جنود. أول ما صعدت إلى الشاحنة وارتميت على أرضيتها الحديدية، شعرت ببرودة الدنيا، لم أكن أشعر بكل هذا البرد وأنا نائم في غرفتي الدافئة. بدأت أرتجف من شدة البرد، كأنهم رموني في مجمّد ثلاجة. صار الجنود يجمعون الشبان ويرمونهم في الشاحنة، وبعد قليل أصبحنا نحو أربعين شخصًا فوق بعضنا، وانطلقت بنا الشاحنة. في البداية، كانت الأفكار تتصارع في رأسي: هل سيأخذوننا إلى مكان بعيد ويطلقون النار علينا؟ أم سيأخذوننا إلى المعتقل؟ تمنيت أن يعتقلوني. كلما أسرعت الشاحنة، صار الهواء أشد برودة، لا يوجد شادر يحمينا من الهواء، والبرد ينخر في عظامي، كدت أن أتجمد. لم أعد أفكر أو يهمني إن كنت ذاهبًا إلى المعتقل أم سيطلقون النار على رأسي ويعدموني، صار كل تفكيري في البرد الذي يمزق أوصالي كالسكاكين الحادة، حتى الهواء الذي أتنفسه كان باردًا ومؤلمًا. كانت أرضية الشاحنة المصنوعة من الحديد كأنها ألواح ثلج قادمة من سيبيريا. وفجأة شعرت بدفء يتسلل من أطرافي إلى كل جسدي، وبدأت أشعر بالراحة. في البداية لم أعرف سر هذا الدفء، لكنني شككت من رائحته، فسألت الشاب الذي بجانبي: هل تبولت؟ فأجابني بأسنان مصطكة وشفاه مرتجفة من شدة البرد، وترجاني أن أستر عليه، وقال إنه لم يتمالك نفسه من شدة البرد والخوف، وبأنه بال عليّ خارج إرادته، وكان خجولًا جدًا. فأخبرته: لا عليك، وفي نفسي، تمنيت لو طالت فترة التبول حتى أشعر بالدفء أكثر، لأن البرد كاد يقتلني. قد تكون أكثر المواقف التي تكرهها ولا تتخيل أن تحدث معك، لكنها في لحظة ما تنقذك، ومواقف أخرى قد تعتقد أنها ستسعدك تقتلك. استمرت الشاحنة تسير بنا حتى وصلنا إلى السجن، وضعوني فيه، وخرجت بعد عام ونصف لأجد نفسي وسط المجاعة.”
كثيرة هي التناقضات في غزة، وجميعنا نمارسها ولا نعلم لماذا. ربما يسأل القارئ نفسه: ما المضحك في تلك القصة؟ أصبح لدى الناس في غزة مستوى عالٍ من السخرية من كل شيء بعدما فقد معظم سكانها كل شيء، لأننا طوال سنوات الحرب كنا نهرب من حفرة صغيرة فنسقط في حفرة أكبر منها. أكثر من عامين ونحن نتنقل بين أحزاننا، مرة نركب سفينة النزوح، ومرة نمتطي حصان الموت، وكأن الدنيا قامت قيامتها ولم تسكن ولم تستكين إلى الآن. العيون حائرة، والخطوات مرتبكة، والأفكار ملتبسة، كل شيء موضع شك.
ولكننا نبحث، في وسط كل هذا، عن الحياة؛ حياة تشبه الحياة. نحاول أن نضحك. انتهت الحرب، لقد نسينا الضحك. أثناء سرد محمد حكايته ضحكنا من القلب، ضحك كلهفة أمٍّ تنتظر لقاء ابنها بعد غياب سنوات، أو فلاحٍ يتلهف لسقوط المطر على تربته اليابسة. كثيرة هي الأشياء التي تيبس وتتشقق غير الأرض؛ الشفاه، والمشاعر تتبلد. وبعد أن يصبح الموت مشهدًا طبيعيًا نشاهده كل يوم، يصبح كل ما دون هذا العنوان طبيعيًا.
تلقفنا قصة محمد كأنها هبة من السماء، حتى نحاول إعادة صياغة أرواحنا. ضحكنا من القلب حتى سالت دموع الفرح التي كانت محتجزة في عيوننا منذ بداية الحرب، ففتحت شهيتنا للضحك، كشهيتنا خلال المجاعة لطبق كنافة نابلسية. بدأ الجميع يريد أن يلتهم من هذا الطبق ويروي حكايته المضحكة أو الخاصة. فصمّم إيهاب أن يحكي، فقال:
“في يومٍ ما، غادرت كي أبحث عن الحطب لإشعال النار للطهي. ذهبت إلى منطقة كثيفة الأشجار بجوارنا، وأثناء بحثي وجمعي للحطب وجدت أسورة ثقيلة من الذهب تنتهي برأس أفعى، معروفة باسم أسورة الحية. في البداية خفت، ثم نظرت حولي، لم أجد أي إنسان. كانت مشاعري مرتبكة بين الفرح والخوف. لا أعرف لماذا كنت خائفًا، لأنني أسمع أن سعر الذهب مرتفع جدًا، وأن هذه الأسورة الكبيرة لا بد أن يكون ثمنها مبلغًا كبيرًا من المال لم أحصل عليه طوال حياتي. حملت الحطب على ظهري وعدت مسرعًا إلى المنزل، وطوال الطريق بدّلت مكان الأسورة في جيبي أكثر من مرة؛ فمرة أضعها في جيبي اليمين، ومرة أضعها في جيبي الشمال، حتى وضعتها في جورب الحذاء، ولكنه لم يحملها، فأعدتها إلى جيب البنطال.
لم يعترضني طوال حياتي أحد، لكنني في تلك العودة شعرت أن الدنيا كلها ستنقضّ عليّ لتسلبني هذا الكنز الثمين. لا أعلم كيف وصلت إلى المنزل، وهناك قلت لنفسي: يجب أن أبيعها فورًا لأشتري طعامًا لأطفالي. غير أن المشكلة كانت في أن أقرب سوق للصاغة يقع في جباليا، ولا أملك ثمن المواصلات.
ذهبت إلى أخي وطلبت منه أن يقرضني أجرة الطريق، لكنه رفض بشدة. كنت متلهفًا للوصول إلى محل الصاغة ولمس ثمنها بيدي. وحتى أستطيع ان احصل من أخي على أجرة الطريق، وكنت أعلم أن لديه بعض النقود لأنه يعمل حلاقًا، وقد كان عند خروجي لجمع الحطب بعض الزبائن ينتظرون حلاقة شعرهم. أخرجت الأسورة ووضعتها أمام عينيه، ففتح فمه دهشة وقال: من أين جئت بها؟
قلت: وجدتها أثناء جمعي للحطب.
فضيّق عينيه وقال محذرًا: إياك أن تكون قد فعلت أمرًا مشبوهًا.
فأقسمت له أنني وجدتها صدفة بين أوراق الشجر، وربما تطايرت من منزل قُصف، أو سقطت من يد عروس تحولت إلى أشلاء أثناء عودتها إلى بيتها. لا أعلم كيف وصلت إلى الأحراش، أنا فقط وجدتها، ولم يكن هناك أحد في المكان.
قال: حسنًا، سأعطيك عشرين شيكلًا لتذهب وتعود.
أخذت المال، وعند خروجي من صالون الحلاقة صادفت أخي الأصغر، فاصطحبته معي. وقلت في نفسي: سندفع العشرين شيكلًا أجرة شخصين للذهاب، وعند عودتنا نكون قد بعنا الأسورة وسددنا المبلغ من ثمنها.
وصلنا إلى سوق الصاغة، فقلت لأخي: خذ الأسورة وادخل إلى ذلك المحل، واستمع فقط إلى السعر الذي سيعرضه عليك، ثم عد إليّ لنقارن ونبحث عن الأفضل.
دخل أخي، ووقفت أنا على مقربة من الباب. وما إن عرض الأسورة حتى صرخ الصائغ فيه: اخرج، انصرف من هنا! أما سئمتم؟ كل يوم يأتي شخص مختلف بأسورة من هذا النحاس!
عاد أخي خائفًا وقال إن الصائغ يؤكد أنها نحاس. قلت له: هذا مستحيل، هذا الرجل لا يفهم في الذهب، دعنا نذهب إلى غيره.
توجهنا إلى صائغ آخر قريب، وعرضنا عليه الأسورة وسألناه عن قيمتها. فقال: أنا لا أشتري النحاس، هذا ذهب صيني مقلّد، وهذه الأسورة يأتي بها الناس كل يوم أو يومين. الله يسهل عليكم.
وقفت أفكر كيف سنعود إلى المنزل ونحن الآن لا نملك أجرة المواصلات. سألته إن كان يشتريها بأي ثمن، فأجاب: لا تساوي شيكلًا واحدًا.
عدنا إلى المنزل سيرًا على الأقدام، محبطين، وبعد أكثر من ساعة وصلنا. جلسنا نسترجع أحلامنا البسيطة التي رسمناها لو أننا بعنا تلك الأسورة.”
صمت إيهاب، وصمت الجميع. لم نعد نعرف هل نضحك أم نحزن. وبما أن المفترض أن تكون الجلسة للضحك، سألته: ماذا قال الصائغ الأول لأخيك؟
فقال: صرخ فيه وقال: اخرج وانصرف.
فضحك الجميع، وبدأت التعليقات الساخرة. قال أحدهم: يبدو أنها أسورة مشهورة، فكل من يذهب إلى الأحراش يجدها.
وسأله آخر: ماذا فعلت بها يا إيهاب؟
ضحك وقال: في اليوم التالي، حين عدت لجمع الحطب، أخرجتها غاضبًا وقذفتها بعيدًا في الأحراش.
فضحك الجميع وقالوا: ستعود مع شخص آخر إلى صائغ الذهب.
ثم قال محمود: لديّ قصة كنتُ سعيدًا خلالها.
فقلت لهم: اصمتوا جميعًا، دعونا نستمع إلى محمود وهو يحكي كيف كان سعيدًا.
فمحمود ينطبق عليه بيت الشعر القائل:
إن حظي كدقيقٍ فوق شوكٍ نثروه ثم قالوا لحُفاةٍ عند ريحٍ اجمعوه
صعب الأمر عليهم ثم قالوا إن من أشقاه ربي كيف أنتم تُسعدوه
ثم قلت له مازحًا: حدّثنا أيها الشقي، فضحك الجميع.
قال محمود:
“هذه القصة حدثت معي في الأشهر الأولى من الحرب. كان الجميع يستلم “الكابونات”، ولم يبقَ أحدٌ إلا ونال حصته، إلا أنا، رغم أنني عاطل عن العمل ولديّ أطفال. وكنت أقول في نفسي دائمًا: لعلّ في الأمر خيرًا، اصبر يا رجل.
وفي أحد الأيام، كنت جالسًا أتصفح فيسبوك وتيك توك، فإذا بصوت رسالة تقتحم هاتفي، وأنا نادرًا ما تصلني رسائل. فتحتها على عجل، وقرأت أول كلمة: “توجّه”.
ولمن لا يعلم، فإن كلمة السر في غزة هي “توجّه”، فجميع مؤسسات الدعم حين ترسل رسائل للمواطنين تبدأها بهذه الكلمة، مثل: توجّه إلى منزل المختار فلان، أو توجّه إلى بركس كذا في منطقة كذا.
توجّهت جريًا إلى العنوان، وطوال الطريق كنت أتخيل شكل الكابونة ونوعيتها؛ فالكابونات أنواع: منها ما تبلغ قيمته 500 دولار، ومنها ما لا يتجاوز 10 دولارات.
وفي النهاية وصلت، فوجدت طابورًا طويلًا. وقفت فيه، وعلمت أن الكابونة عبارة عن سبع علب من المكمل الغذائي، وكان ثمن العلبة آنذاك دولارين، أي أن قيمة الكابونة 14 دولارًا.
قلت في نفسي: لو ذهبت مواصلات ذهابًا وإيابًا لدفعـتُ ما يعادل ثمنها. لكنني قلت: لا بأس، سأنتظر.
في النهاية استلمت المكمل الغذائي، وعدت إلى المنزل قابضًا على العلب السبع في يدي.
وبمجرد دخولي، سألتني زوجتي:
– لماذا لم تستلم الكابونة؟
فمددت يدي وقلت:
– ها هي الكابونة.
قالت بدهشة:
– مكمل أطفال؟ لم أرَ كابونة كهذه في حياتي! ما هذا الحظ يا رب!
أعطيتُ ابنيّ كلّ واحدٍ علبة. وما إن فتح أحدهما العلبة وقضم قطعة، حتى رنّ هاتفي. أجبت، فقيل لي إن منزلنا قد قُصف، وإن شقتي دُمّرت بالكامل.
أغلقت الهاتف، وعدت أنظر إلى ابني وهو يأكل قطعة المكمل الغذائي.
قالت لي زوجتي وقد لاحظت تغيّر وجهي:
– ماذا حدث؟ من كان المتصل؟
قلت لها:
– لا شيء… يبدو أن إقامتنا في دير البلح ستطول قليلًا.
قالت بإلحاح:
– بالله عليك، ألم يقل لك إن دارنا قُصفت؟
هززت رأسي موافقًا، وجلست تبكي بحرقة.”
ثم نظر إلينا محمود وقال:
“كانت تلك أكثر لحظة شعرتُ فيها بالسعادة طوال الحرب. لا أعلم لماذا، لكن انتابني إحساس غريب بأنني دفعت منزلي ثمنًا لتلك العلب. لعنة المكمل، ولعنة اليوم الذي وُلدت فيه، ولعنة الأقدار التي ساقَت هذه الحرب التي لا نهاية لها. ومن فقد بيته، يا أصدقائي، فالحرب بالنسبة له لم تنتهِ؛ لأن المنزل هو الوطن الصغير، فكيف أعيش في الوطن الكبير وأنا لا أجد فيه موطئ قدم، ولا سقفًا أشعر تحته بالأمان لي ولأسرتي؟ منذ ذلك اليوم تنقلت عشرات المرات بين الخيام، وفي مناطق مختلفة من غزة، شمالها وجنوبها. أتعلمون؟ هذه هي المرة الأولى منذ أكثر من عامين أجلس فيها كإنسان طبيعي، مع أصدقاء طبيعيين، نتحدث ونستمع.”
ثم صمت محمود، وصمت الجميع.
كسرتُ الصمت محاولًا إعادة جو البهجة، حتى لا يطغى الحزن على الجلسة التي لجأنا إليها هربًا منه، فقلت:
“والله يا محمود، منذ أن رفعت إصبعك وقلت: كنت سعيدًا، وأنا قلبي يرتجف. استغربت، فأنا أعرف حظك العاثر منذ وُلدت!”
فضحك الجميع، وضحك محمود، وعاد الضحك كما كان.
فقالت لينا: “أنا سأخبركم بأكثر لحظة شعرت فيها بالسعادة، وهي حينما اشتدَّ الاحتلال في حصاره علينا بالشمال، ولم يستطع أحد منا حتى فتح باب المنزل. ولم يكن وقتها في المنزل أي شيء يُؤكَل، كنا نزحف على بطوننا من شدة الجوع، أكلنا حتى أوراق الشجر.
وفي أحد الأيام، كنت أجلس على سرير في وسط المنزل أقرأ رواية، فغفوت قليلًا، وسقطت الرواية من يدي خلف السرير. فنزلت تحت السرير لألتقطها، فنظرت فإذا بأكبر مفاجأة في الدنيا: برتقالة مُلقاة أسفل السرير. نظرت حولي فلم أجد أحدًا، فالتقطت البرتقالة التي كان نصفها مكسوًا بالعفن الأبيض ونصفها الآخر سليم، قد تكون مُلقاة أسفل السرير منذ أسابيع أو شهور، كأنها كانت تنتظرني لتَهَبَني حياة جديدة.
لا أعلم كيف، لكنني ذهبت مُسرعة إلى دورة المياه وأغلقت الباب على نفسي، وجلست على المقعد وقشرتها، وبدأت ألتهمها بتلذذ. وكان طعم البرتقالة يُؤثر فيَّ مباشرة كألذ طعم أكلته في حياتي، ولا أعتقد بأنني سأتذوق أطيب منه في حياتي. بقيت أختار القطع الخالية من العفن قطعة وراء قطعة حتى تلاشت كل البرتقالة من بين يدي. لم يتبقَّ منها سوى القشر الذي بدأت آكل اللب الذي بداخله، وأحيانًا آكل القشر نفسه.
لملمتُ ما تبقى من عفن البرتقالة وأسقطته من شباك الحمام الصغير المؤدي للشارع حتى أخفي آثار الجريمة. غسلت يدي وعُدتُ، نزلت تحت السرير والتقطت الكتاب، وسرحت قليلًا في نفسي التي أنَّبَتْني كثيرًا على فعلتي هذه. كيف استطعت أن ألتهم البرتقالة لوحدي وأخوتي الصغار يتلوون جوعًا بالداخل، وأمي وأبي؟ كان يجب أن أوزعها على الجميع. يا له من عار! كم شعرت وقتها بالاحتقار لنفسي، ولن أسامحها طوال العمر على فعلتي هذه.
ولكن في نفس الوقت، أدركت كم هي غالية قيمة الحياة والبقاء. لو كان أحدهم قد طرح عليّ هذا السؤال وقال لي: “لو كنت في مجاعة ووجدت برتقالة، ماذا كنت ستفعلين؟ هل كنت ستأكلينها لوحدك أم مع العائلة؟” كنت سأجيبه فورًا وبلا تردد: مع العائلة. الواقع يختلف؛ يبدو أن هناك فرقًا شاسعًا بين النظرية والتطبيق، تمامًا كما لو سقطت عائلة من المركب في عرض البحر، فكل شخص سيحاول إنقاذ نفسه.
بدت الأشياء متداخلة في رأسي: هل أنا شخص لئيم أم أن إرادة الحياة أقوى؟ ولكن لحظة التهامي تلك البرتقالة لن أنساها طوال العمر، كانت أكثر لحظة سعادة شعرت بها وتغلغلت في كل أوصالي. هذه كانت أكثر مرة والمرة الوحيدة التي شعرت بها طوال الحرب بالسعادة.
في نهاية تلك الجلسة، لم نكن قد عثرنا على تعريف واضح للسعادة، ولم نخرج بخلاصة فلسفية تليق بكل ما قيل، لكننا أدركنا شيئًا واحدًا بوضوح جارح: السعادة في الحرب لا تشبه نفسها خارجها، ولا تأتي كاملة ولا نظيفة ولا مرفوعة الرأس. هي لحظة خاطفة، مسروقة، أحيانًا مخجلة، وأحيانًا موجعة، لكنها حقيقية بما يكفي لِتُبقي الإنسان واقفًا. تعلمنا أن الضحك ليس دليل خفة، بل أحيانًا آخر أشكال المقاومة، وأن السخرية ليست استهزاءً بالحياة بل تشبثًا أعمى بها. في غزة، لا نضحك لأننا بخير، بل لأن البديل هو الانهيار، ولأن القلب إن لم يجد منفذًا للهواء اختنق.
خرجنا من تلك السهرة ونحن نحمل قصصنا معنا كما نحمل جراحنا، دون أن نشفى منها، لكننا على الأقل لم نعد وحدنا. أدركنا أن كل واحد فينا يملك “برتقالته” الخاصة، أو “أسورته” الكاذبة، أو “دفئه” العابر في شاحنة باردة، وأن هذه التفاصيل الصغيرة، مهما بدت تافهة أو قاسية، هي ما صنع بقاءنا حتى الآن. لم تنتهِ الحرب حقًا، حتى وإن صمتت البنادق، لأنها تسكن في الذاكرة، وفي الفقد، وفي الخوف من الغد، لكننا في تلك الليلة كسرنا شيئًا من سطوتها. جلسنا كأناس عاديين، تحدثنا، ضحكنا، صمتنا، وبكينا دون أن نخجل. وربما كانت تلك هي السعادة بأبسط تعريفاتها: أن تشعر بأنك ما زلت إنسانًا، قادرًا على الإحساس، وعلى التذكر، وعلى الحديث. قد لا نملك بيوتًا، ولا أمانًا، ولا مستقبلًا واضحًا، لكننا نملك القصص، والقصص حين تُروى تُخفف ثقل الحياة قليلًا. في تلك اللحظة فهمنا أن السعادة ليست نقيض الألم، بل رفيقته المؤقتة، وأننا سنظل نبحث عنها، لا لأنها تنقذنا بالكامل، بل لأنها تمنحنا سببًا واحدًا إضافيًا لنكمل يومًا آخر.
كاتــب ومخــرج مســرحي فلســطيني مــن غــزة، بــدأ مســيرته الفنيــة عــام ،1990 وشــارك فــي تأسـيس عـدد مـن الفـرق والمشـاريع المسـرحية التـي تعكـس قضايـا الانسان الفلسـطيني وهمومـه. شـغل منصـب مديـر فرقـة “البيـادر” المسـرحية مـن سـنة 1994 حتـى عـام .2026 حصــل علــى جائــزة التضامــن عــن مجمــل كتاباتــه مــن نقابــة الكتــاب النرويجييــن ســنة ،2024 كمـا تـم تكريمـه ضمـن مهرجـان عشـتار الدولـي لمسـرح الشـباب فـي دورتـه السادسـة سـنة2022؛ لـدوره فـي إنجـاح “مونولوجـات غـزة” وعملـه مـع “عشـتار” مخرجـًًا ومدربـًًا علـى مـدار عقديــن مــن الزمــن. ُكُــِِّرم أيضــًًا ضمــن فعاليــات مهرجــان المســرح المغاربــي بتونــس ســنة ،2018 وحصـل علـى جائـزة أفضـل ممثـل عـن مونودرامـا “أبـو عـرب فـي خانـة اليـك” فـي مهرجـان الربيـع الدولـي بتونـس سـنة .2005 صـدر للكاتـب سـنة 2025 مسـرحية “ابـن البحـر” عـن دار آرفلـون، ولـه مشـاركات عديـدة فـي المهرجانـات العربيـة والدوليـة.


